وقد جاء اختيار "شمتو" لاحتضان هذا الحدث الختامي دلالة رمزية عميقة، إذ كانت هذه المدينة الأثرية مركزاً استراتيجياً لإنتاج أجود أنواع الرخام منذ الفترة النوميدية، والذي استُخدم في تشييد وتزيين عديد القصور والمباني الكبرى في قرطاج وروما، مما يجعلها شاهداً حياً على عراقة الفن المعماري والحرفي في تونس.
وتحت شعار "التراث وفن العمارة"، امتدت فعاليات هذه الدورة من 18 أبريل إلى 18 مايو 2026، حاملةً معها رحلة ثقافية ثرية عبر مختلف جهات الوطن، تميزت بتنوع الأنشطة بين المعارض الفنية، والزيارات الموجهة للمواقع الأثرية، وورشات الحرف التقليدية المرتبطة بالعمارة، مثل الزخرفة على الحجر والجص والخشب، والنجارة المعمارية، وصناعة الخزف والقرميد.
كما توجت التظاهرة بحدث نوعي تحت عنوان "طريق الأندلسيين"، الذي شمل سبع مدن تونسية، مسلطاً الضوء على الأثر الحضاري للأندلسيين في ازدهار العمارة التونسية، وما تناقلته الأجيال من عادات وتقاليد في فنون اللباس، والموسيقى، والتراث الغذائي، والمهارات الحرفية.
وقد أكدت وزيرة الشؤون الثقافية في كلمتها أن هذه الدورة نجحت في استقطاب أعداد غفيرة من الزوار التونسيين والأجانب من جميع الأجيال، مما أتاح لشرائح واسعة التعرّف أكثر على ثراء الرصيد المعماري التونسي الشاهد على تعاقب الحضارات.
كما أشادت بالجهود المبذولة في مشاريع الصيانة والترميم والإنارة الفنية التي عززت من جاذبية المواقع التراثية. من جهته، عبّر والي جندوبة عن امتنانه لاختيار متحف "شمتو" لهذا الحدث، معتبراً إياه فرصة ذهبية لتسويق خصوصيات الجهة وتعزيز المشهد السياحي الثقافي.
وتوّج الحفل الختامي بعرض فني للفنان نور شيبة، الذي قدّم باقة من الأغاني المستوحاة من التراث المحلي، إلى جانب عروض ضوئية علمية ومحاضرة للباحث محي الدين الشوالي بعنوان "شمتو مدينة الرخام النوميدي"، وتكريم الكاتب داودا صاو عن مؤلّفه "دليل المتاحف"، في مشهد ثقافي جامع احتفى بالماضي واستلهم منه مستقبل الإبداع التونسي.