من خلال "الحوار المهني" الذي انعقد على هامش الجمعية، وبمشاركة نخبة من أبرز الخبراء والإعلاميين والأكاديميين، تم تشريح واقع الإعلام ووضع تصورات جريئة لمستقبله عبر جلستين حواريتين شكلتا بوصلة المرحلة القادمة.
رابط كافة المداخلات الحوار المهني المرافق للجمعية العمومية45لاتحاد اذاعات الدول العربية..
الجلسة الأولى: الإعلام كرافعة للابتكار الشبابي في قطاعات التنمية
افتتح الحوار المهني بملف استراتيجي يمس عصب مستقبل الأمة: "دور الإعلام في تحفيز الابتكار الشبابي".
أجمع المتحدثون على أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل هو شريك أساسي في التنمية، ومسؤوليته تتجاوز التغطية إلى التمكين والتحفيز.
الخبير في الاتصال وأخلاقيات الإعلام، **ناجي البغوري**، دق ناقوس الخطر مشيراً إلى أن غالبية الشباب العربي (الذين يشكلون 60% من السكان) يعيشون في "فقاعة" خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، التي تروج لثقافة الاستهلاك.
ودعا إلى ثورة مضادة يقودها الإعلام المسؤول، تقوم على التحول نحو "ثقافة الابتكار وريادة الأعمال".
وشدد البغوري على ضرورة أن تنظر المؤسسات الإعلامية إلى الشباب "كحل وليس كمشكلة"، من خلال دعم مبادراتهم، وتمكينهم من إنشاء منصاتهم الخاصة كالبودكاست، وتخصيص موارد لدعمهم بدلاً من تركهم فريسة لمصالح تجارية غامضة.
هذه الرؤية وجدت تطبيقاً عملياً في تجارب رائدة. **علي صالح**، المدير العام لتلفزيون قطر، استعرض كيف تترجم مؤسسته هذا الدور عبر برامج مثل "نجوم العلوم" وشراكات استراتيجية مع الجامعات، مؤكداً أن "الاستثمار في الشباب هو استثمار في مستقبل الأمة".
- من تونس، ايضا، قدم **وليد بن رحوم** من إذاعة "Express FM" مثالاً حياً على نجاح الإعلام المتخصص في خلق مساحة للمحتوى الجاد، حيث ركزت الإذاعة على الاقتصاد وريادة الأعمال، وأثبتت وجود جمهور متعطش للمعلومات القيمة.
- بدوره، قدم **حسين ساف**، من المغرب، مستشار الانتقال الرقمي، رؤية مستقبلية، مؤكداً أن الرهان العالمي الجديد هو "اقتصاد صناعة المحتوى" (Creator Economy).
- وأوضح أن على الإعلاميين الشباب الخروج من القوالب التقليدية والتركيز على "أنسنة الابتكار"، أي توجيه مشاريعهم لخدمة قضايا التنمية المستدامة، مستفيدين من الآليات غير المحدودة التي توفرها التكنولوجيا، مع ضرورة العمل ضمن فرق جماعية لضمان التمويل والنجاح.
الجلسة الثانية: تحولات المشهد الإعلامي في عصر الذكاء الاصطناعي والمؤثرين
- انتقلت الجلسة الثانية، التي أدارها باقتدار البروفيسور **منصف اللواتي**، إلى قلب العاصفة التي تضرب الإعلام اليوم. طرح وتي إطاراً للنقاش يرتكز على أربعة تحديات: قدرات الذكاء الاصطناعي، صعود المؤثرين، تغير قيمة المحتوى، والمعضلات الأخلاقية.
الدكتور **عامر الصمادي** قدم تحليلاً عميقاً للعلاقة بين الإعلام التقليدي والمؤثرين، واصفاً إياها بـ"التحدي الوجودي".
فالمؤثرون، بقوتهم على التفاعل والتخصيص، سحبوا البساط الاقتصادي من تحت أقدام التلفزيون، حيث تجاوزت الإعلانات الرقمية نظيرتها التلفزيونية لأول مرة في 2023.
وحذر الصمادي من خطأ استقطاب المؤثرين لتقديم برامج تقليدية، داعياً بدلاً من ذلك إلى "شراكات ذكية" لإنتاج محتوى رقمي مخصص يجيدونه.
هنا، برزت أهمية الإعلام العمومي كحصن للمصداقية. الإعلامي **عامر خفاجي**، من مصر، قدم مداخلة مفصلية، معتبراً أن أول سبيل لتطوير الإعلام العمومي هو الاعتراف بهويته كـ"إعلام للشعب" وتحقيق "العدالة الإعلامية" عبر تمثيل كل فئات المجتمع.
وأكد أن بقاء هذا الإعلام مرهون بـ"التحول الرقمي" الحقيقي، الذي يعني تحويل الشاشة إلى منصة ضمن منظومة متعددة، مع فصل الإنتاج عن التوزيع وإعادة تكييف المحتوى لكل وسيط.
ومن قلب الصناعة، قدمت **دينا نمر**، رئيسة العمليات الإعلامية في شبكة العربية الإخبارية، رؤية عملية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي.
أوضحت أن المؤسسات الكبرى لا تزال مترددة في استخدامه لإنتاج المحتوى، لكنها تتبناه بقوة في العمليات التقنية كالترجمة والنسخ لتحرير الصحفيين وتوجيههم نحو الإبداع.
وأكدت أن التدريب المستمر هو الضمانة لبقاء الكوادر البشرية في وظائفها.
في قلب تحولات تكنولوجية ومجتمعية متسارعة، يقف الإعلام العربي اليوم على مفترق طرق حاسم.
بين صعود كاسح للمؤثرين الرقميين، وهيمنة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، وتغير جذري في سلوك الجمهور الشاب، تجد المؤسسات الإعلامية التقليدية نفسها في معركة وجودية لإعادة تعريف دورها وضمان بقائها.
من خلال حوار مهني جمع نخبة من الخبراء والأكاديميين والإعلاميين، تتكشف خريطة طريق معقدة لمستقبل الإعلام في المنطقة، مستقبل يتأرجح بين الاندثار والتحول.
المشهد الجديد: تحولات جذرية وتحديات وجودية
يدير البروفيسور **منصف اللواتي**، الخبير في علوم الصحافة، دفة الحوار حول التحولات العميقة التي يعيشها المشهد الإعلامي.
يلخص اللواتي الأزمة في أربعة محاور رئيسية: قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى سريع وعالي الجودة، وصعود المؤثرين كمنافس مباشر للإعلام التقليدي، وتغير مفهوم "القيمة" لدى الجمهور الذي بات يفضل السرعة على العمق، وأخيراً، التحديات الأخلاقية المتعلقة بالملكية الفكرية وموثوقية المعلومات.
هذا التحول ليس مجرد تطور تقني، بل هو "تحدٍ وجودي"، كما يصفه الدكتور **عامر الصمادي**، الإعلامي والأكاديمي الأردني.
اشار الصمادي إلى أن المؤثرين قد "سحبوا البساط من تحت أقدام" التلفزيون التقليدي، محولين النموذج الإعلامي من بث أحادي الاتجاه (من المنتج إلى المستهلك) إلى نموذج تفاعلي يبرز فيه "المستهلك المنتج" (Prosumer).
فبينما يتمسك التلفزيون بمزايا الموثوقية والإنتاج الضخم، يتفوق الإعلام الرقمي باللحظية، والتخصيص، وكسر احتكار الزمان والمكان، حيث أصبح كل فرد يمتلك "تلفزيونه الخاص" عبر هاتفه.
"مستقبل المؤسسات الإعلامية العربية ليس انقراضاً، بل تحولاً. النجاح سيكون حليف من يفهم أن القواعد قد تغيرت."
د. عامر الصمادي: الإعلام العمومي: ضرورة "العدالة الإعلامية" وحتمية التحول الرقمي
في خضم هذه الفوضى، يبرز دور الإعلام العمومي كطوق نجاة محتمل.
الإعلامي المصري **عامر خفاجي** طرح رؤية عميقة، مؤكداً أن الإعلام العمومي ليس "إعلاماً حكومياً" بل "إعلام دافع الضرائب"، أي إعلام الشعب والمجتمعات.
من هنا، تنبع مسؤوليته الأولى وهي تحقيق **"العدالة الإعلامية"**: مخاطبة كل فئات المجتمع، من الفلاحين وأهل الصعيد إلى مختلف الفئات العمرية والمستويات التعليمية، حتى أولئك الذين لا يجيدون القراءة، وهي الفئات التي يتجاهلها الإعلام الخاص الذي تحركه أجندة الممول.
لكن هذا الدور لن يتحقق دون تبني التحول الرقمي بشكل جذري.
يحذر خفاجي من أن الإعلام العمومي "يفقد جزءاً من جمهوره مع صباح كل يوم" مع رحيل الأجيال القديمة.
الحل لا يكمن في "الرقمنة" - أي مجرد عرض المحتوى القديم رقمياً - بل في **"التحول الرقمي"** الكامل، حيث تصبح الشاشة مجرد منصة ضمن منظومة متكاملة.
ويقترح نموذجاً مستوحى من تجارب عالمية يفصل بين الإنتاج والتوزيع، حيث يتم إنتاج المادة الإعلامية مرة واحدة، ثم "يعاد إنتاجها" بأشكال فنية وتحريرية مختلفة لتناسب كل منصة رقمية، بهدف الوصول إلى المشاهد "أينما كان".
الشباب: بين إغراء الخوارزميات وفرص الابتكار
يشكل الشباب، الذين يمثلون نحو 60% من سكان المنطقة، حجر الزاوية في هذه المعادلة.
الخبير في الاتصال وأخلاقيات الإعلام، **ناجي البغوري**، يرسم صورة مقلقة:
غالبية الشباب يستهلكون المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تديرها خوارزميات غامضة ومصالح تجارية، مما يؤثر بعمق على آرائهم وثقافتهم، ويتركهم في مواجهة تحديات كالبطالة والتوترات الاجتماعية.
يحذر البغوري من "ثقافة الاستهلاك" التي تروج لها هذه المنصات، داعياً إلى التحول نحو "ثقافة الابتكار وريادة الأعمال".
ويرى أن على الإعلام، وخاصة العمومي، أن يتطور لفهم "سيكولوجية الشباب" والنظر إليهم "كحل وليس كمشكلة".
يجب دعمه لإنشاء منصاته الخاصة، مثل البودكاست عالي الجودة، وربط التعليم بالابتكار كما فعلت كوريا الجنوبية، واستغلال الذكاء الاصطناعي كرافعة لخلق الثروة.
**"يجب النظر إلى الشباب كحل وليس كمشكلة، وعلى وسائل الإعلام أن تتطور لتفهم وتدمج ثقافة وسيكولوجية الشباب، لمساعدتهم على أن يصبحوا عوامل تغيير."**
ناجي البغوري
من جهته، يؤكد **حسين ساف**، مستشار الانتقال الرقمي، أن الشباب اليوم يواجهون مهمة معقدة:
فهم الواقع المعقد وتقديمه بطريقة مبتكرة ومقنعة. ويشير إلى أن الرهان لم يعد على تعدد قنوات البث، بل تحول نحو **"أنسنة الابتكار"**، حيث يجب أن تكون المشاريع موجهة لتحسين ظروف الإنسان وتتماشى مع أهداف التنمية المستدامة.
ويضيف أن المستقبل يكمن في **"اقتصاد صناعة المحتوى" (Creator Economy)**، وهو كنز منسي يجب على العالم العربي إحياؤه عبر تضافر جهود كل الأطراف من قطاع عام وخاص ومجتمع مدني.
الذكاء الاصطناعي والمؤثرون: من المنافسة إلى الشراكة الذكية يثير الذكاء الاصطناعي جدلاً واسعاً.
**دينا نمر**، رئيسة العمليات الإعلامية في شبكة العربية الإخبارية، تقدم رؤية عملية من قلب الصناعة.
تؤكد أن المؤسسات لا تزال في "مرحلة تردد"، خاصة فيما يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في المحتوى الإخباري.
لكنها ترى فرصاً هائلة في استخدامه للمهام الروتينية كالترجمة والنسخ الصوتي، مما يحرر الصحفيين للتركيز على الإبداع والذكاء الإنساني.
وتشدد على أن الذكاء الاصطناعي "لن يأخذ وظائف أي حد"، بشرط أن تستثمر المؤسسات في تدريب كوادرها.
أما المؤثرون، فهم حقيقة اقتصادية لا يمكن تجاهلها.
ويكشف عامر خفاجي أن المؤثرين في مصر استحوذوا على 20% من سوق الإعلانات الرقمية في 2025.
ويتفق الخبراء على أن الحل ليس في محاربتهم، بل في **التعاون الذكي**.
و يحذر الدكتور الصمادي من الخطأ الذي وقعت فيه بعض المحطات باستقطاب المؤثرين لتقديم برامج تلفزيونية تقليدية، لأن مواصفاتهم تختلف.
الحل الأمثل هو التعاقد معهم لإنتاج محتوى رقمي مخصص لمنصات التواصل، والاستفادة من قدرتهم على التواصل بلغة الشباب وثقافتهم.
- نماذج ملهمة وخارطة طريق للمستقبل
- تظهر بالفعل نماذج عربية تسعى لتطبيق هذه الرؤى.
**علي صالح**، المدير العام لتلفزيون قطر، يؤكد أن مؤسسته تلتزم بدعم ابتكارات الشباب عبر برامج مثل "نجوم العلوم" وشراكات مع الجامعات، إيماناً بأن الإعلام شريك أساسي في التنمية.
من تونس، تحدث **وليد بن رحومة** عن تجربة إذاعة "Express FM" التي نجحت في تقديم محتوى اقتصادي متخصص وجذب جمهور يبحث عن العمق، مما يثبت أن هناك سوقاً للمحتوى الجاد إذا تم تقديمه بشكل مبتكر.
إن المعركة على مستقبل الإعلام العربي ليست معركة بين القديم والجديد، بل هي سباق نحو التكيف والاندماج.
فالطريق إلى النجاح يمر حتماً عبر:
1. **تبني النموذج الهجين:** دمج قوة الإعلام التقليدي (المصداقية والإنتاج الاحترافي) مع مرونة الإعلام الرقمي (التفاعلية والوصول الواسع).
2. **الاستثمار في الشباب:** ليس فقط كمستهلكين، بل كشركاء ومبدعين ومنتجين للمحتوى.
3. **إعادة إحياء الإعلام العمومي:** ليكون الضامن للمصداقية والعدالة الإعلامية في وجه فوضى المعلومات.
4. **الشراكة الذكية:** تحويل المؤثرين من منافسين إلى حلفاء، واستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز الإبداع البشري، لا كبديل له.
إنها لحظة تاريخية تتطلب جرأة في اتخاذ القرار، ومرونة في التنفيذ، وإيماناً بأن الثروة الحقيقية للأمة تكمن في عقول شبابها وقدرتهم على الابتكار.
فالإعلام الذي سينجح هو الذي سيتحول من "حارس بوابة" إلى "منسق محتوى" ومن "ناقل خبر" إلى "صانع وعي" وشريك في بناء المستقبل.
توصيات للمستقبل
خرج الحوار المهني لاتحاد إذاعات الدول العربية برؤية واضحة:
مستقبل الإعلام العربي ليس انقراضاً، بل تحول عميق وجذري.
والنجاح سيكون حليف المؤسسات التي تتبنى نموذجاً هجيناً يدمج مصداقية التقليدي بمرونة الرقمي، وتتحول من "حارس بوابة" إلى "منسق محتوى"، وتستثمر في الشباب كشركاء، وتعيد للإعلام العمومي دوره كضامن للموثوقية والعدالة.
إن مخرجات هذا الحوار لا تمثل مجرد أفكار نظرية، بل هي خارطة طريق عملية لمواجهة حتمية التغيير، وتأكيد على أن اتحاد إذاعات الدول العربية وهيئاته الأعضاء يدركون حجم التحدي، ومستعدون لقيادة هذا التحول بدلاً من أن يكونوا ضحاياه.