نقد "اللاحضارة" وتفكيك المركزية الغربية
يتنزل كتاب "رسالة إلى باسكال بروكنر" ضمن مشروع محمد زين العابدين الساعي إلى تأصيل الثقافة كأداة لإعادة تأويل العالم. ويقدم الكتاب نقداً لاذعاً لما يصفه بـ "فكر اللاحضارة" والمقاربات الثقافوية التي تروج لتفوق الرجل الأبيض.
ويرى المؤلف أن هذه الأطروحات ليست سوى "متاهات تاريخية غريبة" مثقلة بالأحكام المسبقة التي استدعت تصويباً ومراجعة من منظور التناظرات المقارنة.
ويعتبر زين العابدين أن كتاب بروكنر، المستوحى من قصيدة روديارد كيبلينغ "عبء الرجل الأبيض"، يمثل امتداداً لمحاولات الغرب إيهام نفسه بالعلوية والتفوق تجاه بقية العالم.
وفي مقابل ذلك، يدعو المؤلف إلى مشروع فكري ورمزي يجمع الحضارات المتناثرة للعمل معاً من أجل "تأويلية جديدة وحدث تاريخي مبتكر" يعيد للثقافة دورها كجسر إنساني جامع.
"التونسية" كنموذج حضاري متفرد
يتخذ محمد زين العابدين من "التونسية الحضارية التاريخية" شاهداً على الفكر المتراكم والروح المتشعبة التي سبقت المراجع الجغرافية الصرفة.
ويؤكد أن هذه الهوية طبعت الغرب المتوسطي منذ آلاف السنين بفطنتها وتقدمها، مشدداً على أن استحضارها ليس من قبيل الحنين، بل لتجنب القراءات المبتورة للثقافة التي تستدعي مقاربات مقارنة بعيداً عن التراتبية أو الإقصاء.
أصداء أكاديمية وإشادات دولية
جاء الكتاب في سياق بحوث المؤلف بمركز الدراسات الفلسفية بجامعة السربون، وصدر عن دار "سوتيميديا" للنشر والتوزيع. وقد حظي الكتاب بإشادات واسعة من أكاديميين بارزين:
- جينيفييف كلانسي (جامعة السربون): وصفت أطروحة زين العابدين بأنها "انفتاح حقيقي على الضوء، أشبه بقصيدة فلسفية" تجسد فكرة غاستون باشلار بأن كلمة الشاعر تعبر عتبة الوجود.
- جيرار بيليه (جامعة باريس 1): رأى أن تجربة المؤلف تتميز بـ "بريق حي" ناتج عن احتكاكه المتجدد بثقافات مختلفة، مما مكنه من نقد أطروحات فوكوياما وهنتنغتون.
- إليان شيرون (جامعة السربون): أكدت أن الفنان-الباحث محمد زين العابدين يسعى للمصالحة بين البشر بدل تعميق الاختلافات.
مسيرة حافلة بالالتزام الفكري
لا يمكن فصل هذا الكتاب عن مسيرة المؤلف الطويلة التي تمتد لأكثر من ثلاثين عاماً، والتي شملت مؤلفات هامة مثل "تناظرات بين إدوارد سعيد ومحمد زين العابدين" (2025) وسلسلة "الحوار الثلاثي" التي ناقش فيها أطروحات فوكوياما وهنتنغتون وإدوارد سعيد.
يُذكر أن الدكتور محمد زين العابدين قد نال العديد من الجوائز الدولية، منها وسام رئيس الجمهورية الإيطالية (2001)، واختياره مرتين كشخصية ثقافية لدول البحر الأبيض المتوسط. ومن المقرر تقديم مجموعاته العلمية وكتابه الجديد قريباً في "الصالون الدولي للنشر والكتاب بالرباط"، ثم بجامعة السربون بباريس.