LIVE
الجدري.. الوباء الذي أرعب البشرية 3000 عام وانتهى بسجينين في مختبرين

الجدري.. الوباء الذي أرعب البشرية 3000 عام وانتهى بسجينين في مختبرين

روابط ذات صلة:
ظل مرض Smallpox لقرابة ثلاثة آلاف عام واحدا من أكثر الأوبئة رعبا وفتكا في تاريخ البشرية، حاصدا أرواح مئات الملايين عبر القارات والحضارات، قبل أن تتمكن الإنسانية أخيرا من إعلان انتصارها التاريخي عليه في الثامن من مايو عام 1980، حين أعلنت World Health Organization القضاء التام على المرض.

ويعد الجدري حتى اليوم المرض البشري الوحيد الذي نجحت البشرية في استئصاله بالكامل على مستوى العالم، في إنجاز طبي وصحي غير مسبوق غيّر تاريخ مكافحة الأوبئة.

وباء رافق الحضارات القديمة

تشير الأدلة التاريخية والطبية إلى أن الجدري من أقدم الأمراض المعدية المعروفة، إذ يُعتقد أنه ظهر منذ آلاف السنين، وربما كان سببا في وفاة عدد من حكام Egypt القديمة خلال عصر الدولة الحديثة، الممتد بين القرنين السادس عشر والحادي عشر قبل الميلاد، حيث عُثر على آثار جلدية مشابهة لأعراض المرض على بعض المومياوات الفرعونية.

وكان المرض يُسبب بواسطة نوعين رئيسيين من الفيروسات؛ الأول هو “الجدري الكبير”، وهو الأخطر والأكثر فتكا، إذ تراوحت نسبة الوفيات فيه بين 20 و40 بالمئة، وقد تصل أحيانا إلى 90 بالمئة خلال بعض التفشيات العنيفة، أما النوع الثاني فهو “الجدري الصغير”، وكانت نسبة الوفيات فيه أقل بكثير.

وتشمل أعراض المرض الحمى الشديدة والصداع وآلام الجسم والتقيؤ، قبل أن يظهر الطفح الجلدي المميز الذي يترك غالبا ندوبا دائمة على الوجه والجسد، فيما فقد كثير من الناجين بصرهم نتيجة المضاعفات.

من أوروبا إلى الأمريكتين

وخلال القرن السادس عشر، حمل المستعمرون الأوروبيون الفيروس إلى القارة الأمريكية، حيث تسبب في كارثة إنسانية واسعة بين السكان الأصليين، وأدى إلى انهيار جماعات وقبائل بأكملها لم تمتلك أي مناعة طبيعية ضده.

كما شهدت Japan في القرن الثامن الميلادي أحد أخطر أوبئة الجدري، والذي يُعتقد أنه قضى على نحو ثلث السكان آنذاك.

وفي أوروبا، تسبب تفشٍ آخر أعقب Franco-Prussian War في وفاة نحو نصف مليون شخص بعد انتقال العدوى من أسرى الحرب الفرنسيين إلى المدنيين في ألمانيا ومناطق أوروبية أخرى.

أما India فقد عانت واحدة من أعنف موجات المرض بين عامي 1868 و1907، حيث أودى الجدري بحياة ما يقارب 4.7 ملايين شخص، في حين تجاوزت نسبة الوفيات خلال بعض السنوات 42 بالمئة من إجمالي الإصابات المسجلة.

جينر.. الرجل الذي غيّر التاريخ

شهد عام 1796 نقطة تحول مفصلية عندما توصل الطبيب الإنجليزي Edward Jenner إلى أن الإصابة بفيروس “جدري البقر” الأقل خطورة تمنح الجسم مناعة ضد الجدري القاتل.

وشكل هذا الاكتشاف الأساس العلمي لأول لقاح في التاريخ الحديث، فاتحا الباب أمام عصر التطعيمات ومكافحة الأمراض المعدية.

الاتحاد السوفيتي ومنظمة الصحة العالمية

وفي عام 1958، أطلقت World Health Organization البرنامج العالمي للقضاء على الجدري، بناء على مبادرة قدمها Soviet Union، الذي كان قد نجح بالفعل في القضاء على المرض داخل أراضيه بحلول عام 1936 بفضل سياسة التطعيم الإجباري وإعادة التطعيم المنتظمة.

ومع اتساع حملات التحصين العالمية، بدأت أعداد الإصابات تتراجع تدريجيا حتى سُجلت آخر حالة طبيعية للمرض في Somalia عام 1977.

وبعد عامين من الدراسات والتحقق، أعلن العلماء رسميا في ديسمبر 1979 اختفاء الجدري من الطبيعة، قبل أن تعلن منظمة الصحة العالمية في مايو 1980 استئصال المرض نهائيا.

آخر “سجينين” للفيروس

ورغم القضاء على الجدري في العالم الطبيعي، فإن الفيروس لم يختف تماما، إذ لا تزال عينات منه محفوظة حتى اليوم داخل مختبرين فقط في العالم؛ الأول في مركز أبحاث الفيروسات بمدينة Novosibirsk، والثاني في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في United States.

ويثير استمرار الاحتفاظ بهذه العينات نقاشا علميا وأمنيا متواصلا بين من يدعون إلى تدميرها نهائيا، ومن يرون ضرورة الاحتفاظ بها لأغراض البحث العلمي والاستعداد لأي طارئ بيولوجي مستقبلي.

وبينما يواصل العالم مواجهة أوبئة وأمراض جديدة، تبقى قصة الجدري شاهدا نادرا على أن التعاون العلمي الدولي واللقاحات يمكن أن يقودا البشرية إلى الانتصار حتى على أكثر الأمراض فتكا عبر التاريخ.

🔔

🔔 تابع الرؤية الإخبارية الآن

اضغط "متابعة" لتصلك أخبارنا العاجلة وتحليلاتنا مباشرة

✅ مجاني • تحديثات يومية • خصوصية مضمونة