علماء ومثقفون ورجال أعمال، أولئك الذين يحملون المسؤولية التاريخية، اختاروا الانسحاب أو التواطؤ أو اللامبالاة، فتركوا فراغاً قيادياً خطيراً ملأته تيارات التطرف والفوضى.
صمت العلماء.. وفتاوى تُبرر الظلم
بدلاً من أن يرتقوا إلى مستوى التحديات المصيرية التي تحاصر الأمة، انغمس بعض العلماء في تفاصيل فقهية هامشية بعيدة كل البعد عن قضايا الحياة والكرامة، وآخرون حولوا الفتوى إلى أداة لتلميع صور الحكام الظالمين أو تبرير الاستبداد.
هذا الصمت المدوي، أو هذا التواطؤ الصريح، لم يساهم إلا في تكريس الجمود وتعميق الجراح، متناسين أن الكلمة أمانة ثقيلة أمام الله والتاريخ والضمير الجمعي.

المثقفون.. مراقبون يخشون اللهب
أما المثقفون، الذين كان يُنظر إليهم كعقل الأمة الحي وضميرها النقدي، فقد وقفوا موقف المتفرج الحذر. يحللون الأحداث من بعيد، ينظّرون ويصفون، لكنهم يتجنبون الانخراط خوفاً من أن يصيبهم شرار الصراع أو يحرقهم لهيب الواقع.
هذا الانعزال المتعمد حوّلهم من محركين محتملين للتغيير إلى مجرد مراقبين سلبيين، مما زاد من عمق الفراغ القيادي وأضعف قدرة الشعوب على مواجهة التحديات الجسيمة.
رجال الأعمال.. ثروات تُبنى على حساب الكرامة
ولا يكتمل المشهد إلا بذكر رجال الأعمال الذين كان يُفترض بهم أن يكونوا قاطرة التنمية الشاملة، لكنهم في كثير من الأحيان حولوا الاستثمار إلى آلة لتراكم الثروات الشخصية، دون حس وطني أو مسؤولية اجتماعية حقيقية.
هذا النهج وسّع الهوة بين الطبقات، وعمق معاناة الفقراء، وجعل التنمية الحقيقية حلماً يبتعد يوماً بعد يوم.
الفراغ الذي ملأه التطرف
هذا الفراغ الفكري والقيادي لم يظل خالياً، فقد اندفعت إليه تيارات متطرفة استغلت غياب الوعي النقدي وبساطة الناس، فقد تحول بعض الذين كانوا يعيشون على هامش المجتمع إلى قادة يرتدون الزي الديني ويفرضون رؤاهم الضيقة باسم الدين.
هذا التحول السطحي يكشف هشاشة البنية الثقافية التي سمحت بصعودهم، ويؤكد أن مواجهة التطرف تتطلب أكثر من القوة العسكرية؛ إنها تحتاج إلى جبهة فكرية قوية تعيد للعقل مكانته وللإنسان كرامته الأصيلة.
قيمة الإنسان.. الغائبة وسط التمزق الراهن
والأشد إيلاماً أن هذا الصمت طال قضايا الظلم الإنساني البيّن، وإلى تبريرات اللامبالاة باختلاف المعتقدات أو الأعراق تكشف انحرافاً خطيراً عن جوهر الرسالات التي جاءت لإقامة العدل بين الناس كافة.
وخير دليل على ذلك الوضع الحائر الذي وضعت فيه الأمة العربية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير 2026.
فبينما شنت الضربات الجوية المكثفة على مواقع عسكرية ونووية واغتالت قيادات عليا بما في ذلك المرشد الأعلى، وجدت الشعوب العربية نفسها في موقف محرج ومعقد: هل تدعم الضربات التي تستهدف مشروعاً نووياً إيرانياً يُنظر إليه كتهديد، أم تدين العدوان الذي أدى إلى سقوط مدنيين وتدمير بنى تحتية؟...
هذا الارتباك لم يوسع الهوة بين الحكومات العربية وشعوبها فحسب، بل مزق الشعوب ذاتها وبين بعضها البعض. في الخليج ارتفعت أصوات تخشى الصواريخ الإيرانية الردية التي أصابت أراضيها، بينما في المشرق غلب الغضب من الاعتداء الخارجي.
داخل الدول الواحدة انقسمت العائلات والمجالس والمنصات الرقمية بين من يرى في إيران خطراً وجودياً ومن يعتبر الضربات امتداداً للهيمنة الغربية.
هذا التمزق الداخلي يكشف كيف يؤدي غياب موقف إنساني واضح مبني على كرامة الإنسان أولاً إلى تفكك النسيج الاجتماعي.
التقدم الغائب.. ودروس النهوض المفقودة
تظل المقارنة مع تجارب الدول الآسيوية التي حققت قفزات تنموية هائلة في عقود قليلة درساً مؤلماً وموجعاً، بينما راوحت دولنا مكانها أو تراجعت في بعض المجالات، تحولت أمم أخرى من حالة الفقر والتخلف النسبي إلى قوى اقتصادية وتكنولوجية عالمية.
الفارق لم يكن في الموارد الطبيعية أو الجغرافيا وحدها، بل في قدرة نخبها على بناء الإنسان، وتوجيه الطاقات نحو الإبداع والابتكار، وتحويل التحديات إلى فرص استراتيجية.
نحن اليوم نستهلك ما تنتجه تلك الدول، وندفع ثمن عرقنا وجهدنا، لأننا أهملنا بناء العقول المستنيرة القادرة على فهم الواقع وصناعة التغيير الحقيقي.
إن جوهر الأزمة أعمق من أي مواجهة سياسية أو عسكرية عابرة، إنها أزمة وعي ومسؤولية وغياب لرؤية استراتيجية بعيدة المدى.
الشعوب لا تنهض بكثرة الأطباء والمهندسين فحسب، بل بمن يمتلكون القدرة على تحويل الطاقات البشرية إلى قوة منتجة، وبناء مجتمعات تقوم على العلم والعدل واحترام كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.
آن الأوان لأن تخرج النخب من دائرة الصمت والانعزال والمصلحة الضيقة، لتتحمل مسؤوليتها الكاملة في إيقاظ الأمة وبناء مستقبلها بأيدي أبنائها الواعين.
فالمستقبل لا يرحم المتقاعسين، والشعوب التي ترفض الجمود والتمزق ستجد طريقها نحو الكرامة والتقدم، سواء سارت معها نخبها أم تركتها تواجه مصيرها وحدها.